لماذا نحن نطلب اللانهاية؟ وما هي خصائصها التي نبحث عنها؟
هل تتذكرون عندما قلنا إن وجودنا في أصله غير محدود، ولذلك لا نرضى بأي شيء، ونظل دائمًا نبحث عن شيء أعلى وأسمى؟ أي أننا نشعر في داخلنا بهذا الميل نحو اللانهاية، ونسعى جاهدين للوصول إليه؟
إذا سعينا وراء العلم، فلن نكتفي حتى نحصل على عدة شهادات دكتوراه ونفوز بجائزة نوبل!
وإذا ركضنا وراء المال، فلن نرضى بعدد معين من البيوت والفيلات والسيارات، بل سنسعى دائمًا إلى زيادة ثروتنا.
نريد أن نكون الأجمل مظهرًا، والأكثر كمالًا في هيئتنا، والأقوى نفوذًا وسلطةً.
▲ لكن بمجرد أن نقترب من أيّ من هذه الأشياء، نجد أنفسنا نقول: “يا إلهي! هذا ليس ما كنت أبحث عنه! لقد سعيت وراءه طويلًا، لكنه لم يكن الهدف الذي أردته حقًا!”
إذن، ما هذه اللانهاية التي نبحث عنها بهذا الشغف؟
هل يوجد في هذا العالم شيء يُسمّى “اللانهاية” بحيث يمكننا السعي نحوه؟
ما هي خصائص هذه اللانهاية التي نرغب فيها؟ وكيف تبدو؟
في الواقع، هناك نوعان من اللانهاية في هذا العالم:
- أشياء ليست لانهائية الآن، لكنها تملك القابلية لأن تصبح كذلك. مثل حبة التفاح، رغم أنها مجرد بذرة صغيرة الآن، إلا أنها يمكن أن تنمو لتصبح شجرة، ثم بستانًا، ويمكن أن تنتج عددًا لا نهائيًا من التفاح على مدى الزمن. موضوع حديثنا الآن هو ليس هذا النوع من اللانهاية.
- النوع الآخر هو اللانهاية الحقيقية، التي هي بالفعل غير محدودة في ذاتها، ولا تخضع لأي قيود. هذه اللانهاية يمكننا أن نراها في كل مكان.
في الحقيقة، عندما نتحدث عن “اللانهاية”، فإننا نقصد هذا النوع من اللانهاية المطلقة!
هل اللانهاية التي نبحث عنها موجودة حقًا؟ كيف هي؟ ولماذا نعشقها طوال حياتنا؟
دع كل شيء جانبًا، و لنتأمل قليلا:
هل اللانهاية التي نبحث عنها ونرغب فيها موجودة فعلًا؟ كيف تبدو؟ ما خصائصها؟ ولماذا منذ طفولتنا وحتى لحظة موتنا لا نتوقف عن السعي وراءها؟ لماذا نعشقها بهذا الشكل؟

هل حدث يومًا أن شعرت بالضيق، فبحثت عن نقطة مضيئة تهدّئ بها نفسك؟
ما اسم تلك النقطة المضيئة؟
خصائص الموجود اللانهائي
- “موجود بالفعل“
أول ما يجب أن نوضحه هو أنه، وفقًا لقوانين الرغبة والتمني التي تحدثنا عنها في مقال “قوانين تحقيق الأمنيات”، فإن هذا الوجود اللانهائي الذي نبحث عنه ونسعى وراءه لا بد أن يكون موجودًا.
بل أكثر من ذلك، وفقًا لتلك القوانين، فإن مجرد رغبتنا فيه تعني أننا نعرفه مسبقًا، وأننا قد جربنا الشعور به من قبل. بمعنى آخر، نحن من طينته وجوهره، ولذلك نتوق إليه. والأهم من ذلك، أن جزءًا من كياننا نفسه يحمل طبيعة اللانهاية، وإلا لما امتلكنا القدرة على السعي نحوها والرغبة فيها.
- “غير محدود”
من الواضح أيضًا أن هذا الوجود اللانهائي لا يمكن أن يكون محدودًا، لأن أي شيء له حدٌّ أو نهاية لا يمكن أن يكون لانهائيًا.
فكر في الأمر: من المستحيل أن يجتمع اللانهائي والمحدود في شيء واحد! لذا، هذا الوجود لا يملك حدودًا، ولا يخضع للزمان أو المكان، ولا يتجسد في شكل مادي، لأن كل هذه العناصر تجعله مقيدًا، وتمنعه من كونه لانهائيًا.
ليس هذا فحسب، بل يجب أن تكون جميع صفاته لانهائية، فلا يمكن أن تكون بعض جوانبه غير محدودة وأخرى محدودة. لأن ذلك سيؤدي إلى تعدد “اللانهايات”، مما يعني أنها ستتداخل وتتناقض فيما بينها، وهو أمر غير منطقي.
- “واحد لا شريك له”
هل تتفقون على أن العقل السليم لا يمكنه القبول بفكرة وجود أكثر من لانهائي؟
لأنه لو كان هناك اثنان، فلا بد أن يكون لكل منهما حد يفصل بينهما، وإلا فكيف نعرف أين ينتهي الأول وأين يبدأ الثاني؟! وهذه الحدود ستجعلهما محدودين، وبالتالي لن يكونا لانهائيين بعدها.
ثم إن كان الأول لانهائيًا حقًا، فلن يترك مجالًا للثاني أصلًا، لأنه سيكون قد ملأ كل شيء بالفعل!

هل تعلمون أن هناك أممًا كانت -وربما لا تزال- تؤمن بوجود عدة آلهة؟!
تخيل ذلك، كما تنشب بينها حروب أيضاً!
أليس هذا مضحكًا؟
- “المصدر الأساسي لكل الوجود”
الحقيقة أن هذا الوجود اللانهائي هو أصل كل شيء.
لأنه إن لم يكن كذلك، فسيحتاج هو نفسه إلى شيء آخر يُوجِده، وهنا لا يوجد سوى احتمالين:
إما أن يكون هو السبب في وجود كل شيء.أو أن هناك شيء آخر قد أوجده
لكن الاحتمال الثاني مستحيل تمامًا. لماذا؟
لأنه لا يمكن لشيء موجود أن يأتي من العدم، كما لا يمكن لشيء ناقص أو محدود أن يُوجِد اللانهاية. ولو احتاج هذا الكيان اللانهائي إلى شيء آخر ليخلقه، لكان محدودًا أيضًا، وهذا يناقض كونه غير محدود!
توقف هنا للحظة، وشاهد أولًا فيديو “مجرة النفس” حتى لا يُرهَق عقلك وسط كل هذه المفاهيم الفلسفية العميقة، ثم واصل القراءة!
“ما اسم هذا الوجود اللانهائي؟”
إذن، الوجود اللانهائي الذي نبحث عنه لا يوجد منه إلا واحد فقط في هذا العالم، لأنه لو كان هناك أكثر من واحد، لكان محدودًا، ولم يعد “لانهائيًا” بحق.
ليس مهمًّا كثيرًا ماذا نُسميه، فكما تعلمون… قد يُطلق عليه كلّ شخص اسمًا مختلفًا!
المهمّ هو أنّه موجود حقًا، ويجمع في ذاته كلّ الصفات الجميلة، وأنه أصل كل الموجودات من حولنا!
يا ترى!
هل تبدو هذه الصفات مألوفة لكم؟
في الواقع، هناك كائن واحد فقط في هذا العالم تنطبق عليه كل هذه الصفات…
أليست هذه هي نفس صفات الله؟
واحد لا شريك له.
موجود بلا بداية.
غير محدود بأي شيء.
هو أصل كل الوجود.
أعتقد أن الأمور بدأت تتضح لنا شيئًا فشيئًا، أليس كذلك؟
يعني نحن شيئًا فشيئًا نبدأ لماذا نبحث بشدة عن هذا الوجود اللانهائي ونتوق إليه. بل في الحقيقة، ليس نحن فقط، بل جميع البشر يسعون للوصول إليه!
إذن، هذا الوجود اللانهائي الذي قضينا عمرنا نبحث عنه في كل مكان… هو الله نفسه، ولم نكن ندرك ذلك!
هذه المجلة من مجلات برنا الأسبوعية مهم جدًا، لا تنسَ أن تستمع إلى السراج بدقة.